الكلمة الافتتاحية للسيدة نافي بيلاي المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الدورة الثالثة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان

جنيف، 29 آيار/مايو 2013

السيد الرئيس،
الأعضاء الموقرون في مجلس حقوق الإنسان،
أصحاب السعادة،

يعكس الوضع في سوريا الفشل الذريع لحماية المدنيين. يوما بعد يوم، يعاني الأطفال والنساء والرجال من وحشية العنف الجامح والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من قبل جميع الأطراف. إنّ العدد المتزايد من المقاتلين الأجانب الذين يعبرون الحدود السورية لدعم جانب أو آخر يزيد من تأجيج العنف الطائفي، فالوضع الحالي يظهر علامات قلق من إمكانيّة زعزعة استقرار المنطقة ككل.

الوضع العام

تشير تقارير موثوق بها من فرق المراقبة التابعة لمكتبي أنّ القوات الحكومية لا تزال تنفّذ الهجمات والقصف العشوائي وغير المتناسب والقصف الجوي مما أدى إلى وفيات وإصابات في صفوف المدنيين في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في مدينة القصير.

وبحسب ما ورد، فإنّ القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها قد نفذت أعمال عقاب جماعي ضد المدنيين ينظر إليهم على أنهم متعاطفون مع المعارضة. إنّ المجازر التي أُعلن عنها في محافظة البيضاء ورأس النبع في بانياس، بعد عمليات قتل جماعي مماثلة في أجزاء أخرى من سوريا، تبين وجود نمط من الأفعال المتطرفة من العقاب الجماعي. كما واستمرّت دون هوادة عمليّات الاعتقال التعسفية والاحتجاز، فضلا عن التعذيب، بالإضافة إلى عمليات الإعدام وسوء المعاملة خارج نطاق القضاء وسوء المعاملة من قبل القوات الحكومية.

إنّ التجاهل الصارخ للقانون الدولي لا يقتصر على الجانب الحكومي. فبحسب ما ورد، ينخرط العديد من الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة في عمليات عسكرية داخل مناطق مأهولة بالمدنيين. كما تواصل بعض من هذه المجموعات تنفيذ الإعدام بحقّ أفراد مُختطفة من القوات الموالية للحكومة والميليشيات التابعة لها. كما ويُعتقد بروز تصاعداً في عمليّات اختطاف المدنيين من قبل الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة، فضلا عن أعمال القتل والعنف والتهديدات بأعمال انتقامية ضد سكان مدنيين يُنظر إليهم على أنهم داعمون للحكومة.

كما ويقوم أطراف النزاع باستهداف الممتلكات الثقافية وأماكن العبادة، بما فيها المساجد والكنائس، وذلك كجزء واسع النطاق من التدمير للمساكن وغيرها من المباني والبنية التحتية في جميع أنحاء سوريا.

القُصير

منذ تولي الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة السيطرة على مدينة القصير والمنطقة المحيطة بها في عام 2012، وهو حصار فرضته الحكومة لمدة سنة، يرافقه قصف متكرر، أدى إلى تدهور الوضع الإنساني، مع نقص في الغذاء والماء، إمدادات الكهرباء والوقود والمواد الطبية. وقد تفاقم الوضع بشكل كبير على مدى الشهر الماضي، مع تكاثف الجهود للسيطرة على القصير، وفرار المزيد من مئات الأسر اليائسة من المنطقة.

إنني أشعر بقلق بالغ إزاء سلامة المدنيين الذين لا يزالون محاصرين في منطقة القصير وحولها. إنّ عمليّات القصف المكثف، والاشتباكات المكثّفة بين القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى من المدنيين.

كما وتقلقني التقاريرالتي تشير إلى أن بعض الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة تعمل في مناطق مأهولة بالسكان وقد فشل هؤلاء في تمييز أنفسهم بوضوح عن المدنيين في منطقة القصير.

إنني أحث كلا الجانبين على حماية المدنيين من أعمال العنف الجارية والسماح بمرور آمن لأولئك الذين يرغبون في الفرار. بموجب القانون الدولي، جميع الأطراف مدعوة إلى تمييز أنفسها عن المدنيين أثناء الأعمال العدائية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للحد من معاناتهم.

البعد الدولي

السيد الرئيس، إن الصراع في سوريا يخرج عن نطاق السيطرة.

ومن الضروري اتخاذ إجراءات فورية لوقف المزيد من إراقة الدماء والمعاناة، وتتيح هذه المناقشة فرصة عاجلة للمجتمع الدولي لمراجعة نهجه. بل وهي أيضا فرصة للدول الفردية وغيرها من الجهات الفاعلة إلى القيام ببعض البحث عن الذات. ويجب على الدول ذات النفوذ من كلا الجانبين التعاون لوقف هذا الصراع، بدلا من السعي المسارات التي ساهمت حتى الآن ببساطة إلى الدمار المتصاعد من سوريا معارضة.

يجب أن يكون الحل السياسي. لن يكون الحلّ عسكري. يُقال أنّ هناك قوى خارجية، بما في ذلك بعض الدول، تقوم بتأجيج الصراع بنشاط من خلال توفير الأسلحة والذخائر إلى جانب أو الآخر، الأمر الذي يشجع الأطراف المتحاربة.

إنّ التهجير القسري على نطاق واسع، بما في ذلك عبر الحدود، على أساس الانتماءات الدينية أو غيرها، لم يعد احتمال يمكننا تجاهله. إذا استمرت الحالة الراهنة، أو زادت تدهورا، ستصبح المذابح الطائفية المتزايدة يقينا، وليس خطرا. إنّ الحالات الخبيثة الأخيرة من التحريض على العنف على أساس الدين أو العرق، وزيادة مشاركة مجموعة متنوعة من المقاتلين الأجانب المتطرفين، هي علامات سيّئة تنذر بالمزيد من العنف في المستقبل.

كانت سوريا لفترة طويلة مثالاً للتسامح، مع تعايش السنة والعلويين والمسيحيين والأكراد والدروز والعديد من المجتمعات الأخرى جنبا إلى جنب في انسجام نسبي.

على المجتمع الدولي توجيه رسالة فحواها أن جميع السوريين لهم الحق في العيش في بلدهم، في أمان ودون خوف، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الانتماء السياسي.

السيد الرئيس،

في الفترة التي تسبق انعقاد المؤتمر الدولي المقترح بشأن سوريا في جنيف، على الدول - وخاصة تلك التي لها تأثير على المقاتلين - العمل بشكل جماعي لمنع هذا الصراع الرهيب من الإزدياد سوءا. ان انهيار الدولة في سورية له عواقب وخيمة، ليس فقط للسوريين، ولكن أيضا بالنسبة للمنطقة والعالم كله.

إنّ الرسالة التي يجب أن يطلقها كل واحد منا يجب أن تكون موحّدة: لن نؤيد هذا الصراع مع الأسلحة والذخائر والسياسة أو الدين.

يجب أن نضع خلافاتنا جانبا، وينبغي على الدول ذات النفوذ استخدام هذا النفوذ لفرض ضغوط قوية لوقف أي استخدام للأسلحة الثقيلة والقصف الجوي لمناطق مدنية. ويجب على الدول ذات النفوذ أن تؤكّد وحدتها عدم التسامح مع مزيد من القتل والدمار أو التحريض الطائفي، من قبل أيّ من العناصر الموالية أو المعارضة للحكومة.

ويجب على الدول ذات النفوذ الإصرار - والتأكيد - أن الحكومة والجماعات المعارضة سوف تسمح للوكالات الإنسانية بالعمل دون قيود من أجل تقديم المساعدة الضخمة التي جواباّ للحاجة الماسة لها في جميع أنحاء هذه الأرض المنكوبة.

السيد الرئيس، سوف ينتهي الصراع السوري في أحد الأيام، بطريقة أو بأخرى. يجب أن نخطط لتلك النهاية، آملين أن تأتي بعد شهر، وليس بعد خمسة، عشرة أو عشرين عاما.

سيكون هناك العديد من التحديات الشاقة التي تحتاج إلى معالجة في مرحلة ما بعد الصراع ، والتي يتعين علينا أن نبدأ التفكير فيها الآن.

إنّ إحتياجات السوريين الملحة للإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار الاقتصادي والاجتماعي تتطلب صيانة أو ترميم وإصلاح مؤسسات الدولة الوظيفية، بما فيها الجيش. الشرطة والقضاء والإدارة المدنية.

يجب علينا أيضا أن نضع خلافاتنا جانبا فيما يتعلق بالتمسك بالقوانين والمعايير الدولية. يجب إحالة سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية لضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني. إنّ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ترتكب بصورة روتينية وثقافة الإفلات من العقاب السائدة تساعد على إطالة أمد الصراع.

إنّ الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية من الأرجح أن يكون لها تأثير رادع قد يساعد على حماية الأرواح. وينبغي أن لا يكون الجناة المزعومون تحت أي وهم بأنهم سوف يفلتون من قبضة العدالة. والإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية تعطي حافزا للكثير من الناس من كلا الجانبين، هؤلاء الذين ليسوا مسؤولين عن ارتكاب جرائم خطيرة، أن ينأوا بأنفسهم عن المتطرفين الذين يقودون البلاد إلى الدمار. وسوف أثبت بوضوح أن المستقبل الوحيد القابل للحياة يكون باجراء مناقشات، والسعي لتحقيق المصالحة وإيجاد الحلول ووقف المذبحة.

مؤتمر جنيف المقترح

السيد الرئيس، لجميع الأسباب المذكورة أعلاه، أرحب بالجهود لعقد المؤتمر الدولي الذي طال انتظاره في جنيف للتوصل الى حل سياسي للصراع. وأدعو جميع الدول المعنية إلى وضع موضوع احترام حقوق إنسان على جدول أعمالها.

هذا فرصة هامة للغاية بالنسبة للدول ذات النفوذ لسحب الأطراف مرة أخرى من حافة الكارثة. عندما نسترجع التكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة للصراعات المطولة السابقة، نعلم أنّه ينبغي أن نبذل قصارى جهدنا لتجنب السماح لصراع آخر بالتطوّر في قلب هذه المنطقة المضطربة بشكل خاص.

وينبغي على هذا المجلس أن يبعث رسالة واضحة إلى جميع أطراف النزاع، والجهات الفاعلة الخارجية عن عمد أو غير قصد على تأجيج النزاع أنه: يجب وقف الصراع، مع وقف إطلاق النار على الفور كإجراء لبناء الثقة المؤدية إلى مؤتمر جنيف، ويجب أن يتوقّف تدفق الأسلحة، ويجب البدء الآن في عملية الحوار الوطني الآن.

وشكراً.

للحصول على مزيد من المعلومات أو لاستفسارات وسائط الإعلام، يُرجى الاتصال:
بروبير كولفيل (9767 917 22 41+ أو rcolville@ohchr.org)
أو
ليز تروسل (9434 917 22 41+ أو ‎ethrossell@ohchr.org)
أو
سيسيل بويي(9310 917 22 41+ أو‎(cpouilly@ohchr.org

حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، اتبعنا على وسائط الإعلام الاجتماعية:
فيسبوك: https://www.facebook.com/unitednationshumanrights
تويتر: http://twitter.com/UNrightswire
غوغل+: gplus.to/unitednationshumanrights
يوتيوب: http://www.youtube.com/UNOHCHR
ستوريفاي: http://storify.com/UNrightswire

راجع المؤشر العالمي لحقوق الإنسان: http://uhri.ohchr.org/ar